لسان الدين ابن الخطيب
58
الإحاطة في أخبار غرناطة
أحمد بن محمد بن أحمد بن قعنب الأزدي يكنى أبا جعفر ، ويعرف بابن قعنب . أوّليّته : ذكر الأستاذ ابن الزّبير في « صلته » وغيره ، أن قوما بغرناطة يعرفون بهذه المعرفة ، فإن كان منهم ، فله أوّليّة لا بأس بها . حاله : كان من شيوخ كتّاب الشّروط معرفة بالمسائل ، واضطلاعا بالأحكام ، وانفرد بصحّة الوثيقة ، باقعة « 1 » من بواقع زمانه ، وعيّابة « 2 » في مشايخ قطره ، يألف النّادرة الحارّة في ملاء من النّوك والغفلة ، فلا يهتزّ لموقع نادرة ، ولا يضحك عقب عقد صرعة ، لقلقه غير ما مرة ، غير مجلس من مجالس القضاء من بني مسعود المزراة أحكامهم ، المرميّة بتهكّمه وإزرائه ، فتقتّع « 3 » في طريق حكمهم خطى منفسحة ، غير مكترث بهوانه ، ولا غاصّ بلسانه . وربما قال لبعض الوزعة « 4 » من قادته بمحبسه ، وقد توقّفوا به في بعض الطريق ، توقّعا لسكون غضب قاضيهم ، ابعثوا بعضهم إلى هذا المحروم ، لنرى ما عزم عليه ، بكلام كثير الفتور والاستكانة ، له في هذا الباب شهرة . ذكر بعض نزعاته : حدّثني ملازمه ، وقف عليه ، أبو القاسم بن الشيخ الرئيس أبي الحسن بن الجيّاب ، وقد أعمل والده ، رحلة إلى مالقة لزيارة شيخه الذي تلمذ له ، وشهر بالتشيّع فيه ، أبي عبد اللّه السّاحلي ، صاحب الأتباع والطريقة ، وكان مفرط الغلوّ فيه ، واستصحب ولده الصغير ، فسأله عن سفر أبيه وسعيه ، فقال : نعم ، واحتمل أخي ، فقال : أظنه منذر ولد كان غير مغتطس ، فحمله الشيخ ، فغطّسه ، واستغرب كلّ من حضر ضحكا ، فلم يبتسم هو كأنه لا شعور عنده بما ذهب إليه ، فكانت إحدى الطّوام عند الشيخ . وحدّثني ، قال : جاءت امرأة تخاصم ميّارا « 5 » ، أوصلها من بعض المدن ، في أمر نشأ بينهما ، وبيده عقد ، فقال بعض جيرانه ، من نصّه حاكيا : « وأنه جامعها من موضع كذا إلى كذا » ولم يرسم المدّ على ألف « جا » ، فقال الشيخ للمرأة : أتعرفين أن هذا الميّار جامعك في الطريق أي فعل بك ، فقالت : معاذ اللّه ، ونفرت من ذلك ،
--> ( 1 ) الباقعة : الشديد الدهاء والذكي العارف لا يفوته شيء . لسان العرب ( بقع ) . ( 2 ) العيّابة : الكثير العيب للناس . لسان العرب ( عيب ) . ( 3 ) تقتّع : ذلّ . لسان العرب ( قتع ) . ( 4 ) الوزعة : جمع وازع وهو الذي يدبّر أمور الجيش . لسان العرب ( وزع ) . ( 5 ) الميار : الذي يجمع الميرة . لسان العرب ( مير ) .